الموضوعات تأتيك من 14257 مصدر

اخبار عاجلة

Tweet

تنظيم داعش عام 2018.. العراق أنموذجاً

30/10/2018 | 2:25 ص 0 comments
تنظيم داعش عام 2018.. العراق أنموذجاً

كسر الحدود وإعلان "الخلافة"

اقرأ أيضا:
بالفيديو.. السيسي: كان العراق دولة قوية لكن ما تهدم لن يعود ثاني
الكشف عن نسبة سكان التجمعات العشوائية في العراق
بالأرقام.. ديون العراق في موازنة 2019
واشنطن تستثني العراق من العقوبات الأمريكية على إيران

رووداو – أربيل

منذ أكتوبر/تشرين الأول 2010، مرَّ تنظيم داعش بأربع مراحل، ففي عام 2010 تم تجميع النواة الصلبة حول البغدادي، وفي عام 2013 تم إعلان توحيد فرعي العراق والشام، والانفصال عن القاعدة، أما في عام 2014 ، فتم كسر الحدود وإعلان بيعة "الخلافة" للبغدادي، وتسمية حدود أرض "الخلافة" و"التمكين"، لتبدأ في عام 2015 معارك التحرير ضد احتلال داعش في أرض "التمكين" وحتى نهاية عام 2017 حيث تم إعلان هزيمتهم الكاملة في العراق و98%‎ من سوريا، 97%‎ من ليبيا، و98‎%‎ من سيناء، بحسب تقرير أعده الخبير في الشؤون الأمنية، هشام الهاشمي، ننشر فيما يلي التقرير كاملاً:

قبل أربع سنوات أعلن التحالف الدولي بدء القضاء على إمكانيات داعش العسكرية وطرده من المدن والقرى المكتظة بالسكان، وعرقلة تدفق هجرة المقاتلين الأجانب إلى أرض الصراع، ومن ثم عرقلة العودة العكسية، وتجفيف منابع تمويل الإرهاب من رأس المال الثابت والمتحرك وفك شيفرة داعش في الإدارة والمالية، والقضاء على كوادر ديوان المال والركائز والزكاة المركزية، فضلاً عن استهداف مراكز تطوير وتصنيع داعش العسكرية والكيميائية، واستهداف قياداته من الصف الأول، حيث قُتل 42 قائداً مؤسساً من أصل 43، وهم النواة الصلبة، كما قُتل قرابة 79 قائداً من الصف الأول، واستبدال معظم القيادات الميدانية والوسطى في أكثر من هزيمة وقاطع عمليات، والقضاء على كوادر ووسائل ديوان الإعلام المركزي لداعش، وخاصة "أبو محمد فرقان" الشهير بالدكتور وائل عادل حسن الفياض، ومقتل "أبو محمد العدناني" طه صبحي فلاحة، واستهداف أهم قيادات اللجنة المفوضة في تنظيم داعش التي تعتبر بمثابة رئاسة الوزراء، حيث قُتل رئيس اللجنة المفوضة إياد عبد الرحمن العبيدي "أبو صالح حيفا"، ونائبه إياد حامد محل الجميلي "أبو يحيى العراقي"، وتم تسنيم هذه المهمة لعناصر أقل قيمة تاريخية و"كاريزما" وخبرة إدارية وأمنية ومالية وتنظيمية، فضلاً عن همال مشتاق طالب الجنابي "أبو عمر أوجبار90"، ومساعده أنور حمد الجنابي "حجي عارف".

منذ نيسان/أبريل 2013 أصدر تنظيم داعش 104 إصدارات مرئية وصوتية، ولكنه قدم إصداراً مرئياً من نوع مختلف "صرح الخلافة"، يحمل في مضمونه الهيكلية المؤسساتية للتنظيم، الأكثر راديكالية بين التنظيمات الإسلامية المتشددة، محاولاً إظهار طريقة حكم الخلافة واللامركزية في الإسلام الأصل، وهو ما أكده المعلق على الإصدار بقوله: "لا يتسنى للخليفة مباشرة جميع أعمال الدولة بمفرده، فذاك أمر متعذر لا بد من المعين".

وتضمن الإصدار الحديث عن الهيكلية التنظيمية، ويبدأ الإصدار بافتتاحية الهيكلية من متزعمه "أبو بكر البغدادي"، تلاه "مجلس الشورى"، ومن ثم "اللجنة المفوضة" التي تتلقى أوامرها من الهيئة السابقة، أي مجلس الشورى.

بحسب الإصدار، الذي تبلغ مدته الزمنية أربع عشرة دقيقة وثمانية وخمسون ثانية، تشرف "اللجنة المفوضة"، على ما تسمى بـ"المكاتب والهيئات"، التي تضم خمسة مكاتب، والتي تتابع عمل الدواوين الأربعة عشر، أما بالنسبة لأماكن تواجد التنظيم، فإنه يتحدث عن تواجده في 35 مدينة، عرفها باسم "الولايات"، وقسمها إلى تسعة عشر "ولاية" في سوريا والعراق، مستخدماً وصف العراق والشام طبعاً، و16 "ولاية" في دول أخرى.

وجاء ترتيب الأماكن التي يتواجد فيها التنظيم في سوريا والعراق: "الجزيرة، البركة، الخير، الرقة، دمشق، حلب، حمص، حماة، الفرات"، وفي عام 2018 اختزلها بولاية الشام، وكذلك: "بغداد، الأنبار، صلاح الدين، الفلوجة، ديالى، شمال بغداد، الجنوب، نينوى، كركوك، دجلة"، واختزلها عام 2018 بولاية العراق.

فيما ضمت الأماكن الأخرى مناطق "نجد، الحجاز، سيناء، برقة، طرابلس، فزان، الجزائر، غرب إفريقيا، اللواء الأخضر، خراسان، القوقاز، عدن، أبين، شبوة، حضرموت، صنعاء، البيضاء"، واختزلها بأربع ولايات، "ولاية خراسان" وفيها أقل من 1000 مقاتل نشط وقرابة 4000 مقاتل خامل، و"ولاية غرب إفريقيا" وفيها قرابة 3000 مقاتل نشط وقرابة 12000 مقاتل خامل، و"ولاية الحرمين واليمن" وفيها أقل من  500مقاتل نشط وقرابة 2000 مقاتل خامل، و"ولاية سيناء" وفيها أقل من 200 مقاتل نشط وقرابة 800 مقاتل خامل.

في عام 2018 بدا لنا أن أرض "الخلافة" اختفت تقريباً عدا جيب في مناطق شرق الفرات "السوسة والشعفة والهجين" في سوريا، وأصبحت التقديرات تشير إلى أن المقاتلين النشطين في تنظيم داعش/ ولاية العراق قرابة 2000 مقاتل وفي معيتهم من الدعم اللوجستي قرابة 8000 مقاتل خامل "خلايا نائمة عسكرياً"، وفي سوريا هناك قرابة 3000 مقاتل نشط وفي معيتهم من الدعم اللوجستي قرابة 12000 مقاتل خامل.

وبحسب تقارير نشرتها "فورن بولسي" وصحف اقتصادية غربية تهتم في اقتصاد الحرب، فإنه في الذروة المالية لتنظيم داعش (آذار/مارس 2015 إلى حزيران/يونيو 2015) استولى التنظيم على قرابة 5.5 إلى7 مليارات دولار أمريكي من صادرات النفط وودائع البنوك وبيع السلاح وتهريب الآثار ومصادرة المعدات والأملاك الحكومية وفرض الأتاوات وبيع المخدرات وفرض الضرائب والزكوات، ويؤكد المراقبون أن داعش نجح في إخراج قرابة 700 مليون دولار عبر عمليات غسيل الأموال لشبكة الراوي" فواز محمد جبير الراوي" إلى خارج العراق وسوريا وليبيا، وقام باستثمارها بتجارات وصناعات وعقارات وتكنلوجيا، واستثمارات أخرى مختلفة من أجل الانتفاع من أرباحها فيما بعد 2017، وأيضاً نجح في استثمار قرابة 400-600 مليون دولار داخل العراق وسوريا من أجل استعمالها كتمويل ذاتي في كل ولاية على حدة، وعلى هذا فإن داعش في عام 2018 لا يزال يستحوذ على قرابة 1.5 إلى 2 مليار دولار، وهذا يؤكد مقولة أنه "أغنى تنظيم إرهابي في التاريخ الحديث".

بحسب مراقبين فإن الأمر قد يبدو وكأن داعش انسحب ببساطة، لكن هذا بعيد كل البُعد عن الواقع، فهو عاد إلى العمل التنظيمي لعام 2010 حيث عاد من حيث بدأ "البحث عن تجميع نواة صلبة جديدة ومن ثم تمويل ذاتي وترتيب الأوراق والتربص بالثغرات الأمنية للعودة إلى أرض التمكين والخلافة". 

إن عدم موت أو مقتل أو القبض على مؤسس التنظيم يجعله الضامن لصموده كتنظيم سري طويلاً وبتكتيك "المقاتل الشبح" و"معارك الأذرع الطويلة"، وحول نفسه من جماعة "خلافة الأرض" إلى جماعة التمهيد لأرض "الخلافة" من جديد، وعندها سوف يدخل في عمليات انتقامية وثأرية من العشائر السنية والصحوات ومعارك متشابكة مع فصائل من المنتسبين لتنظيمات إسلامية سنية وشيعية، ثم استهداف القوات النظامية من المعسكرات والثكنات والمقرات الأمنية والسجون ورجال الاستخبارات والتحقيقات وصولاً للقضاة، عمليات واسعة لن تسلم منها أوروبا وأمريكا من الجماعات المنتظمة ومن الأنصار كذئاب منفردة انتشرت في جنوب شرق أوروبا إلى شمال غربها.

في عام 2018 فقدت هيكلية داعش 14 ديواناً كانت بمثابة وزارت في مناطق سيطرته، وهي "ديوان القضاء والمظالم، ديوان الدعوة والمساجد، ديوان الجند، ديوان بيت المال، ديوان التعليم، ديوان الزراعة، ديوان الفيئ والغنائم، ديوان الحسبة، ديوان الزكاة، ديوان الأمن العام، ديوان الإعلام المركزي، ديوان الصحة، ديوان الركاز، وديوان الخدمات"، وبحسب اعترافات صدام الجمل "أبو رقية الأنصاري" والدكتور إسماعيل العيثاوي "أبو زيد العراقي" وجعل الهيكلية كالتالي بالنسبة للولايات المختزلة:
-الوالي، وهو نائب للبغدادي على تلك الولاية وعضو مجلس الشورى وعضو اللجنة المفوضة.
-له ثلاثة نواب، نائب الوالي للمراكز الأمنية والاستخبارية والعسكرية والتصنيع والتطوير والبريد الخاص، نائب الوالي للمراكز الشرعية والقضاء والدعوة والمظالم والبيعة والمساجد والعشائر، ونائب الوالي للمراكز الخدمية والإعلامية والصحة والمالية والزكاة والضرائب.
-تقسم الولاية إلى قواطع وبصلاحيات لامركزية يعطيها البغدادي للوالي.

وإلى جانب الدواوين، هناك هيئات ومكاتب رسمية، وهي: "هيئة الهجرة، هيئة شؤون الأسرى والشهداء، مكتب البحوث والدراسات، إدارة الولايات البعيدة، مكاتب العلاقات العامة والعشائر"، هذه المكاتب أيضاً انحسرت إلى شبكة واحدة مختصة بإدارة العمليات خارج الولايات، وهيكليتها تشبه هيكلية الولايات خاصة لو فرضنا أن أوروبا كلها ولاية واحدة وفيها قواطع.

هذا المكتب يعتبر الأخطر بالنسبة للغرب مع عودة قرابة 3000 إلى 3500 مقاتل غير مسيطر عليهم وهم خارج قوائم المطلوبين أمنياً في أوروبا وغالبيتهم ممن تدرب عسكرياً وأمنياً وشرعياً على إدارة الخلايا من 9 إلى 21 عنصراً، شبكة تسيطر على مفارز من عشرات المسلحين الذين يعتنقون الفكر الجهادي المتطرف، فبعد شهور قليلة من أخذها وضع الاستقرار، يقفون متحدّين في التزامهم بأفكاره وتوجهاته، لقد هزم داعش في أرض "التمكين"، لكن عقيدته ومنهجه مستمر في عقول وقلوب عناصره.

وفي مرحلة التمهيد الثانية سوف تركز هذه الشبكة الخارجية على قتال دول التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها الرئيسيين، لكن مع بداية عام 2021، ومع ظهور الأزمة الاقتصادية المنتظرة، قد يحدث تغيير كامل ومفاجئ لأهداف التنظيم ربما تعود أيام 2014 في بلدان إفريقية، فبدلاً من توجيه الهجمات بشكل مباشر في العراق وسوريا، فقد وجّه البغدادي في خطابه الأخير آب/أغسطس 2018 قدرات داعش بالهجرة العكسية وغرب إفريقيا وخراسان التي تهدف إلى الانتقام من أنظمة الحكم العربية، والقتل العشوائي في أوروبا.

وحين سيطر داعش على أجزاء واسعة من العراق وسوريا، كان لا يزال رسمياً جزءاً من تنظيم المجتمعات المحلية، وفي الجزء الأعظم كان مستمراً بتطبيق أفكار السلفية الجهادية والإخوانية القطبية، أما الآن فداعش غير مرتبط بالمجتمعات المحلية ولديه مناهجه الخاصة ودعاته ومنظروه، وهو يشبه إلى حد كبير خليطاً بين تجربة الزرقاوي وتجربة البغدادي أبو عمر، ولكن فلول داعش في العراق التي ظلت موالية للبغدادي حققت مكاسب مذهلة بحد ذاتها فيما أطلقت عليها "مثلثات الموت" انطلاقاً من شباط/فبراير2018.

ففي سوريا، يتبع أكثر من 15 ألف مقاتل وخامل، وفقاً لتقارير استخبارية بحثية وصحفية محلية، راية عقيدة ومنهج داعش، وغالباً ما يفرضون البيعة ولو بالقتل على الجهاديين السابقين في القاعدة وفروعها والفصائل الأخرى.

وفي اليمن المضطرب، فإن داعش تقوى بسبب المال والدعم الذي يصل إليه من الإمارة بقيادة البغدادي في السعودية والخليج والأردن نجح الأمن إلى حد ما في تحييد خطرهم واخترق غالب خلاياهم وشبكاتهم.

ومنذ بداية الأزمة الداخلية في اليمن، فإن ذراع داعش ازداد عدد أفراده بأكثر من 3 أضعاف، من عشرات إلى ما لا يقل عن 300 مقاتل، وفقاً لتقديرات صحفية.

وفي غرب إفريقيا، ازدادت أعداد المقاتلين في داعش، والتي تضم ما لا يقل عن 3 آلاف مقاتل، بحسب تقديرات مختصة، وتستمر الجماعة في اجتذاب المجندين، بمن فيهم أفراد من المجتمع الإفريقي المهاجر في أمريكا وأرووبا، يستهدفون بشكل متكرر السياح الغربيين وعمّال الإغاثة، ودمجوا مؤخراً عدة فصائل متباينة في السابق، وشكلوا تجمعاً "جهادياً".

ومن هنا نرى مكاسب داعش على مستوى العالم في الأعداد والقوة، وحتى في أفغانستان، المكان الذي خسر فيه أكثر من 2000 جندي أمريكي أرواحهم في قتال القاعدة وطالبان الحليفة منذ 11/9، اكتشفت القوات الأمريكية عام 2015 أكبر مقرات للقيادة والسيطرة لداعش بعد العراق وسوريا وليبيا.

وعلى الصعيد ذاته، فإن مثل هذه الولايات الستة والمال الوفير والخبرة التخصيصية والعقيدة الجهادية وآلاف الموارد البشرية منتشرة أكثر الآن ومدربة بشكل أفضل، ومنظمة كما لم يكن داعش من قبل حين كان في أرض "التمكين".

ولطالما كان الزرقاوي والمهاجر والبغدادي الأول والبغدادي الثاني يأملون بكسر الحدود وإعلان "الخلافة" وفرض أحكامها واقعاً بشبكة معولمة تتعامل باحتراف مع تحديات الاستراتيجيات الدولية المختلفة لمكافحة المد الجهادي، ولدى داعش في تنظيمه الثاني للتمهيد لأرض "التمكين" الجديدة أفضليات تميزه عن تنظيم داعش الذي مهد لأرض "التمكين السابقة"، فبينما عمل داعش في المرحلة السابقة على التفنن في صناعة الأعداء وسفك الدماء والدفاع المستميت عن "أرض الخلافة" في سوريا والعراق وليبيا وأفغانستان وسيناء، فإن انتشار داعش السري والمعقد في المرحلة الحالية على مدى 3 قارات يجعل من المستحيل اجتثاثه من جذوره.

داعش عام 2018.. العراق أنموذجاً

لقد حصلت مناطق صلاح الدين ونينوى والأنبار وشمال ديالى وجنوب كركوك، على تحريرها، و"تنتمي هذه المناطق إلى العرب السنة ويشاركهم معظم المكونات والأقليات الدينية والقومية العراقيّة"، المناطق الحضرية فيها تنتمي إلى المجتمع الليبرالي وغالبهم من الطبقة الوسطى والتجار وأصحاب الحرف والصناعات والمهن وطرق الحياة المواكبة للحداثة، والقرى والأرياف إلى المجتمعات المتدينة والمحافظة، حيث المجتمع الزراعي ونمط الاقتصاد التقليدي، وطرق الحياة بطيئة التكيف مع الحداثة.

هذا الخليط المتباين ومتعدد الثقافات أنتج تمرداً دينياً متطرّفاً يسعى لإحياء "الخلافة" على "منهاج النبوة وسلف الأمة" بحسب تأويله وتحريفه وفهمه النصوص العقائدية والفقهية والسلوكية، وجعل وسيلته الحصرية هي السلاح "الجهاد" وتبني إكراه الناس على الأحكام الدينية بالحديد والنار، حاملاً معه الكراهية ونظرية الفسطاطين التي دعا إليها أسامة بن لادن، ومنهجية أبو مصعب السوري، وتجربة الزرقاوي، وإدارة التوحش للحكايمة، وحماسات أبو حمزة المهاجر والعدناني، وبيعة البغدادي، ميراثاً غير متوازن وطاقة شبابية وتجارب قتالية متوحشة وخبرات ومهن أمنية وعسكرية ولوجستية.

وحيث أن القوات المشتركة العراقية أعلنت النصر على تنظيم داعش عسكرياً نصراً خسر به داعش أرض "التمكين" وقدرته على رفع رايته على أي مبنى مدني أو حكومي أو عسكري على أرض العراق، وتحول إلى فلول تسكن البوادي والصحاري والجبال والتلال والمناطق الزراعية الوعرة، تعمل على تمويل نفسها ذاتياً، وإنهاك القوى القتالية الماسكة للأرض والمرابطة في الطرق الرابطة بين المحافظات وعلى أطراف المدن والقرى والحدود، فصارت تستهدف المواطن العراقي على الهوية مرة، وأخرى على الولاء السياسي والمذهبي، فكثيراً ما يبدو أن أيسر الطرق للحصول على المال هو ترهيب العزل من الأهالي ومن ثم فرض الأتاوت عليهم، وتسليط الأضواء على ضعف الحلول الأمنية الحكومية، وبالتالي يفقد المواطن ثقته بقدرة القوات الأمنية على حمايته، وهنا يأتي دور الإرهابي بالاستيلاء على إرادة المواطن وماله، وبالفعل قد تزايد معدل العمليات الإرهابية على الطرق والقرى وأطراف المدن خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، وينطبق هذا الوضع كثيراً على ما كتبته في مقالتي عن مثلثات الموت، حيث أصبح المئات من القرى الصغيرة المنتشرة في أطراف تلك المدن تفقد شعورها بالتحرر من احتلال داعش، خاصة في الليل.

صحيح أن طرق ديالى- كركوك، صلاح الدين- كركوك، بغداد- كركوك، تلقى اهتماماً كبيراً من لدن الإعلام والقيادة المشتركة العراقية، لكن هناك مناطق جنوب نينوى وغرب الأنبار وشمال شرق ديالى وجنوب غرب كركوك وغرب صلاح الدين وجزيرة سامراء، بحاجة إلى اهتمام وقرارات حاسمة وضربات شديدة،
ربما تكون هناك إجراءات أمنية تقليدية مسلم بها، لكنها لا تحمل دلالة أو قرائن استتباب الأمن وتمكين الاستقرار، وكأن أحداث الصينية وجنوب الحضر وغرب حوض الثرثار لم تثر اهتماماً لدى المخطط العسكري والاستخباري العراقي.

ماذا كان دور المواطن خلال تلك الحوادث؟، ومدى تورطه فيها؟،
هنا ينبغي أن نفرق بين مواطن يتواصل مع الأجهزة الاستخبارية بكل جدية ومتابعة، ودوائر الاستخبارات والمعلومات لا تهتم أو تبدي استجابة!، والمواطن الذي لا يريد أن يتورط بعملية الإبلاغ عن التحركات المشتبه بها، فغالبية الأهالي الذين عادوا كان لديهم نشاطاً واسعاً في تقديم المعلومات، لكنهم صدموا بإهمالها وعدم الاهتمام بها، حتى بات أحدهم يخاف على نفسه، حينما يأتي الداعشي ويعاتبه أو يهدده بعد أن تم فضحه.

لقد تعددت هذه الإشكاليات، وبمدن وقرى محررة، ومن جانب دوائر معلومات واستخبارات مختلفة الجهات، لكن من الصعب بالفعل كشفها لبغداد أو لقيادات العمليات المسؤولة، أو حتى مجرد إثباتها، أصبح المواطن يحسب حساب ردات الفعل الغاضبة من ضابط أو محقق كسول أو فاسد، لكن يبقى هناك احتمال قائم وواقعي دائماً، ليس كل ما أخبر عنه المواطن صادقاً بالضرورة، وهناك دائماً تهويل بشأن مصلي المساجد وأصحاب اللحى، وتضخيم تورط الضباط والبعثيين السابقين.

بشكل عام ينبغي أن تتعامل دوائر المعلومات باحترام وحذر مع تقارير وشهادة المواطن باختلاف أنواعها، فالمواطن يمارس واجبه وبنفس الوقت يرغب بالسرية، وكأنه شخص مجهول، ويبقى اسمه وشخصيته الحقيقة غير معلومة، حفاظاً على حياته وسرية تقريره وشهادته.

كما أن دور المواطن الشريف لا يمكن إلا أن يكون مؤثراً وفعالاً، فالمواطن يعلم أن أمن مدينته وقريته هو قراره، وبالتالي هو صانع وشريك في الأمن مع رجل الأمن.

أهم الخطوات الاستباقية، التركيز في البحث عن مراكز التحكم لداعش وليس على تسكين وتهدئة تعرضاته الإرهابية، لأنها مواطن القوة الداعشية، في تلال حمرين ومطيبجة وصحراء البعاج وجزيرة الحضر ووادي حوران، تحديداً يمكن إجبار قيادات داعش وفلوله على التراجع ومغادرة العراق، مناطق جنوب إقليم كوردستان أرض صراع الأصدقاء والنيران الصّديقة، ولن تجد بغداد وأربيل لها خلاصاً إلا بالحوار الجاد وفق تعاليم القانون ومواد الدستور، ومن خلال أنقرة وطهران إذا اتفق الطرفان بشكل واضح، على تقويض محاولات استقلال الكورد في العراق كخطوة جراحية حتمية.

‏ظهور مثلثات الموت بالبقعة المنسية من جغرافيا العراق، ومن بغداد خاصة، مثلثات الموت بالنسبة للمخطط الداعشي كأرض "التمكين" خالية من نقاط الرصد الاستخباري، وبالإمكان أن تكون ساحة لعمليات إرهابية ولجمع المال ولعودة الأنشطة الإعلامية ولخلط الأوراق الطائفية والقومية، هذه المثلثات تضم فلول وشتات داعش التي تمهد لصناعة حاضنة من جديد وإلى معسكرات ومخازن واستثمارات سرية، لتصل بعد ذلك إلى ميدان المواجهة المباشرة.

حرب الفلول والخلايا النائمة

تجاهل النكسات الأمنية لا يعالجها ولن يهزم العدو، فمنذ مطلع آذار ولغاية 22 آذار نفذ داعش عمليات إرهابية في مناطق متعددة من العراق، وخاصة مناطق شمال شرق ديالى وغرب الأنبار وجنوب ديالى، خريطة العمليات الإرهابية تؤكد أن داعش لديه عمل ممنهج ليحقق ثلاثة أهداف:
1- قطع الطرق الخارجية بين المحافظات وصناعة مثلثات للموت والأذهاب في مناطق لها تضاريس معقدة.
2- ضرب التقارب المجتمعي الذي نتج في مراحل توحد العراقيين بالضد من داعش من خلال القتل على الهوية الطائفية والمذهبية والسياسية.
3- حصار أطراف المدن اقتصادياً وتحويل المناطق الزراعية والمفتوحة إلى مقرات للقيادة والسيطرة.

في جنوب كركوك لا زلنا نهتم بالعمليات الإرهابية كأعراض جانبيّة ونقدم المسكنات والمهدئات لها وباستجابة بطيئة، وندع علاج أصل المرض والخلل الذي ولد تلك الأعراض. 

يبقى السؤال المهم: ماذا بعد، وماذا علينا أن نفعل؟ 
لقد حشدت القوات المشتركة العراقية، كل قوتها وإمكاناتها العسكرية في "مثلث المنطقة المحصورة/ديالى-صلاح الدين-كركوك"، بينما على الجانب الآخر، مجرد فلول من بقايا داعش وخلايا متمردة قوميّة غير نظامية، تُمارس نوعاً من حروب الشوارع الهجينة، وتضرب أهدافاً غير متوقعة من المدنيين بعمليات غادرة أو سيطرات وهمية أو كمائن مفاجئة، أو مرابطات وسيطرات عسكرية منعزلة، فتحدث خسائر ملموسة ومؤثرة. 

تعيش أطراف وأرياف المدن المحررة هناك حالة من الخوف، والشعور بالخطر، والحل لن يكون إلا بمعركة الاستخبارات والعمليات الخاصّة والقوات المناطقية.

 ‏إذا كانت المعركة عسكرياً على داعش انتهت بنصر القوات المسلحة العراقية وحلفائها، فإن الحرب على الإرهاب لم تنته، بل لا تزال مستمرة لاجتثاث أسباب وجذور الإرهاب وملاحقة مخلفاته وشتاته وفلوله وخلاياه النائمة بوسائل أخرى عامودها الفقري الاستخبارات والتعاون المجتمعي، وذلك على أساس أن الأصل في مكافحة الإرهاب والتطرّف العنيف هو رفض المجتمع وتعاون أفراده مع الحكومة.

‏عودة مفارز داعش والجماعات المتمردة، إلى النكاية والمبادرة في اختيار الزمان والمكان والهدف، بسيطرات وهمية وكمائن مخطط لها مسبقاً، يعني إعادة تجديد هياكل تنظيماتها "تنظيم الظل"، ما يزيد من الأحمال الاستخبارية والاقتصادية على حكومة بغداد، الأمر الذي يتطلب إنهاء ملف عودة النازحين لكن بعناية تمحيص وتدقيق أمني مركّز، علاوة على تفعيل أسباب استقرار مناطق جنوب إقليم كوردستان في ظل تراجع الوفاق السياسي بين بغداد وكوردستان والخلاف على إدارة تلك المناطق، وضرورة إغلاق كل ملف عالق يعرقل حقوق الحشد الشعبي والعشائري والمناطقي.

يوماً بعد يوم، تتزايد تعقيدات المشهد الاقتصادي والأمني في المناطق المحررة، في محصلة لتزايد المشاكل وضعف الحلول، وتدخلات اللوبيات المحلية والمناطقية والحزبية، وظهور قوى مجتمعية تتمتّع بعلاقاتها مع منظمات المجتمع المدني الإغاثية والمنظمات الدولية التي تعمل على برامج إعادة التأهيل والعمران، فضلاً عن بروز القوى العشائرية والإثنية والطائفية والقومية في محيط الموصل وتحالفها مع بغداد، ليبقى المواطن أمام كل تلك العشوائيات الإدارية، قابعاً في دوامة الفقر وانعدام الخدمات والتهديدات الإرهابية.

ولبدء الحكاية من نهايتها، لا بد من الانطلاق من تعزيز الثقة بالهوية الوطنية العراقيّة، وإضعاف سلطة العشائر والطوائف المسلحة، والاعتراف بالآخر والاعتذار منه، عمليات تحرير محافظات صلاح الدين وديالى وكركوك والأنبار ونينوى، كانت مكلفة جداً من حيث التضحيات بالأرواح والخسائر بالأموال والعمران والتراث، وكانت نقطة التحوّل الكبرى في تاريخ انتصارات القوات المسلحة العراقيّة بكل صنوفها، التي كان هدفها القضاء على داعش عسكرياً واجتثاث جذور حواضنه الفكرية وإجهاض قدراته اللوجستية والمالية وإفشال غوايته الإعلامية وفضح وحشية وقذارة ممارساته الإرهابية.

إن تعدد القوات المسلحة على أراضي المدن المحررة والمستقرة نسبياً، وتعدد اللجان الحكومية المتدخلة بموضوع الإعمار ومقاولات عودة النازحين وتأمين الخدمات الضرورية، أحدثت تعقيدات كبيرة في المشهد الاقتصادي والأمني، سببها تعدد مصالح تلك القوى وتناقضاتها، الحكومات المحلية ضعيفة وهي بحاجة إلى تحركات الحكومة الاتحادية.

وأدركت كل من بغداد والمنظمات الدوليّة والسفارات الكبيرة، ومن خلال دعمها لعودة قرابة 2,6 مليون نازح داخلي إلى المدن المحررة، واتهامهم القوى الميدانية باستخدام أساليب "دعائية انتخابية" لصناعة أكثرية انتخابية حزبية، بعد أن اتهمت بغداد هذه القوى بعرقلة جهود التعايش والاندماج المجتمعي.

إن "تنافس الأحزاب" على حصصهم من مقاولات الإعمار، لا يأبه بخسارات العراقيين لأرواحهم وممتلكاتهم، فالكيانات السياسية تدعم من ينتخبها لأجل مصالحها السياسيّة، وقياداتها تأمل بالحصول على ثقل حكومي، يقود إلى زيادة ثرواتها وتوسع سلطاتها.

لقد بات واضحاً أن دوائر المعلومات والاستخبارات لا بد أن تعتمد على المُواطن في المناطق المحررة وفي العديد من المناطق المستقرة نسبياً لمنع فلول داعش من عودة خلاياها الأمنية، فالسيطرات الوهمية وتكرار الكمائن وعمليات الخطف والاغتيالات وركن العجلات المفخخة والعبوات الناسفة وإطلاق قذائف الهاونات، كلها حوادث واقعية تستند إلى حقائق ومعطيات موثقة، فقد كشفت التحقيقات الأمنية في محافظتي نينوى وكركوك التي أجرتها الدوائر الأمنية العراقيّة مع عناصر الخلايا الإرهابية التي تم إلقاء القبض عليها في الشهرين الماضيين بوضوح، أنها بدأت بترتيب أوراقها التنظيمية وأصبح باستطاعتهم المبادرة بعمليات إرهابية محدودة ونوعية.

تشخيص الأسباب واقتراح الحلول

لم تغب عن ذاكرة العراقيين بعد "كمين السعدونية" حادثة ذهب ضحيتها 27 شهيداً في جنوب غرب كركوك، أمس كان هناك ظهور لسيطرة وهمية على طريق العظيم الرابط بين بغداد وديالى وكركوك وصلاح الدين، على هذا الطريق ومنذ عام 2006 غيّب المئات من الأبرياء، ولم يعرف مصير أعداد كبيرة منهم حتى اليوم، في مشهد مرعب، سيطرة وهمية لداعش تقتل على الهوية المذهبية والطائفية 10 مواطنين وتمثل بجثثهم، في منطقة نبهت عليها كثيراً ووصفتها بأنها خاصرة هشة وأن القوات المتواجدة لا تكفي لكي تنتشر في كامل تلك المساحات الواسعة ذات التضاريس المتنوعة والصعبة، فلا بد من إعادة تكتيكات ملاحقة الفلول وأساليب وآليات التطهير الأمنية وصناعة المصادر الاستخباراتية المحلية وتقوية الجهد المعلوماتي من أجل معالجة تلك الخروقات، بدأت حوادث الإرهاب تعود من جديد لتعيد معها الرعب والخوف.

وتحتاج شرطة الطرق الخارجية إلى ما يلي:
-تسيير دوريات على مدار 24 ساعة ولكل 5-10 كم. 
-إضافة نقاط وأبراج مراقبة محصنة.
-مراكز أمنية للاستجابة السريعة.
-مراقبة بالكاميرات والطائرات بدون طيار.
-أرقام ساخنة وتقوية بث شبكات الاتصالات التي تكاد تكون معدومة هناك.

ومن خلال حوار مع بعض ضباط وعناصر قوات حماية الطرق الخارجيّةـ فهم يحمّلون مسؤولية هذا الخلل الأمني لما يلي: 
-السلاح السائب.
 عدم وجود "باجات" تعريفية موحدة.
-حرية التجول بسيّارات الدولة المصفحة والمظللة.
-الزي العسكري.
-التداخل في الصلاحيات المحليّة.
-عدم وجود تنسيق في تأشير حركات العجلات المسلحة.
-وأيضا من خلال حواجز مؤقتة تنصبها في الطرق الخارجية قوات أمنية خارج قواطع مسؤوليتها، بحجة البحث عن مطلوبين، بينما لا تستطيع شرطة الطرق الخارجية اعتراض طريقها.
-نصب السيطرات غير المرخصة من قبل القيادة المشتركة العراقيّة، والتي ينبغي أن تحاسب قانونياً كسيطرات وهمية.

إن مفارز فلول داعش تتربص بهذه الخروقات ونقاط الضعف وتحاول الانتفاع من هشاشة تلك المناطق لتشكل خطراً كبيراً على أمن الطرق والأمن المجتمعي، لأن القتل على الهوية هو أخطر أنواع العمليات الإرهابية التي في الغالب تدفع إلى ردات فعل انتقامية تصيب الأبرياء من الطوائف والعشائر في مناطق السيطرات الوهمية.

البادية الغربية 

منذ ديسمبر/كانون الأول 2017 تتعرض المناطق الحدودية المحصورة بين جنوب غرب نينوى وشمال القائم، لسلسة هجمات عنيفة، فيما يبدو محاولةً من مفارز فلول داعش في قاطعي نينوى والأنبار لإدامة كسر الحدود بين العراق وسوريا، وإيجاد ثغرات للتسلل من مناطق أم جريص وتل صفوگ وشمال الرمانة، عمليات انغماسية وانتحارية لاقتحام مخيمات وثكنات قوات الحشد الشعبي "حشد شمر وحشد لواء علي الأكبر وحشد الطفوف وحشد كتائب حزب الله وحشد النجباء وحشد جند الإمام وحشد البوريشة وحشد البومحل وحشد الكرابلة" و"قوات حرس الحدود والفرقة 20 و16 جيش عراقي عمليات نينوى والفرق 1 و7و8 من عمليات الجزيرة" وإنهاك تلك القوات المرابطة التي تصنف بأنها غير مدربة على مرابطات الحدود وأيضاً أنها ضعيفة التقنيات والتجهيزات القتالية الخاصة بمسك الحدود، والحدود غير مجهزة بخنادق وبأبراج مراقبة وأخرى للقنص، ولا توجد منظومة مراقبة بالكاميرات الحرارية، أو بطائرات من دون طيار.

كل ذلك عبر الاستهداف الناري الكثيف للمرابطات الثابتة في صحراء الأنبار وبادية نينوى، من أجل الضغط على القوات حتى تغض الطرف عن عمليات التسلل.

في حوار مع آمر سرية في الفرقة الأولى المتواجدة غرب الأنبار، يقول: "إذا تركنا مفارز داعش تتحرك بحريتها دون التعرض لها فهي لا تتصادم معنا ولا تهاجمنا في أوقات ضعفنا، هذا ما أدركناه بعد خسارتنا العشرات من القتلى والمعدات، وأيضاً داعش أوصل لنا الرسالة عبر جنود تم خطفهم وأطلق سراح بعضهم".

القوات العراقية المرابطة عند الحدود الغربية تستعين بمرابض المدفعية الفرنسية والدنماركية وطائرات التحالف الدولي، لكن قوات التحالف الدولي لا ترغب في أن تقدم المساعدة للقواطع التي ترابط بها قوات الحشد الشعبي الشيعي، وخاصة في مناطق "عكاشات والفوسفات والقائم" وقد أدى عدم الانسجام هذا إلى تصادم بين المدفعية الدنماركية وقوات الطفوف من الحشد الشعبي في منطقة عكاشات، وهناك 4 تهم متبادلة حتى الآن، إلى سقوط أكثر من 8 قذائف مدفعية بالقرب من معسكرات الحشد الشعبي في مناطق القائم، 
وتسعى قيادة عمليات الجزيرة بالتعاون مع القيادة المشتركة وقيادة حرس الحدود إلى الاستعداد لخطر تسلل قرابة 500-800 عنصر داعشي من أصول عراقية عندما تنطلق معارك التحالف الدولي وحلفائه في جيب الهجين والسوسة والشعفة وأخرى 2‎%‎ من شرق سوريا يسيطر عليها داعش، كما صرح بذلك اللواء قاسم المحمدي قائد عمليات الجزيرة، لمنع تكرار سيناريو السويداء ومن قبل سيناريو تدمر حينما عادت مفارز داعش بعملية نوعية وقتلت العشرات من المواطنين، إذ أدى الهجوم الداعشي الكثيف المباغت إلى إجبار الفصائل المسلحة السورية على مغادرة المدينة والفشل في حماية أهلها، فهل يتكرر سيناريو السويداء في البعاج والحضر وراوة والقائم والرطبة ؟، أم هل يمكن لقوات الحشد المناطقي الصمود والاستمرار في المقاومة؟، وما هي إمكانيات الصمود في هذه الحالة؟.

تقع مدن البادية الغربية، غرب وشمال غرب العراق، كما يدل اسمها على ذلك، في غرب محافظة الأنبار وجنوب غرب محافظة نينوى وغرب محافظة صلاح الدين، وسُميت بهذا الاسم لأنها عبارة عن صحراء وتلال وجزيرة ترابية، وتشكّل تاريخياً جزءاً من جغرافيا العشائر العربية البدوية والرحالة، والتي تعيش على تجارة الحدود والمواشي، وتبلغ مساحتها نحو 25‎%‎ من مساحة العراق، وتضم مجموعة من المدن ومئات القرى، أكبر مدنها القائم والبعاج والحضر وراوة والرمانة وعكاشات وفوسفات والرطبة، ويبلغ عدد سكان البادية الغربية أكثر من نصف مليون نسمة، اشتهرت مدن هذه المناطق بأنها مدن متدينة مسلمة سنية ومن عشائر متداخلة مع العشائر الحدودية السورية والأردنية والسعودية، وأبناء هذه العشائر اشتركوا في مقاومة القوات الأمريكية. 

وبالنظر إلى كونها منطقة متدينة ومحافظة وذات تضاريس جغرافية وظروف بيئية قاسية، مثّلث ملجأً آمناً للفصائل المسلحة السنية المقاومة والمتطرفة على مدى 15 سنة الماضية. 

كانت البادية الغربية تمثّل إحدى مناطق مثلثات الموت الأربع الرئيسة، إلى جانب مثلث الوديان "وادي حوران ووادي الأبيض ووادي القدف"، ومناطق شمال وشرق العراق، ومنطقة شمال سامراء وجنوب الشرقاط وصولاً لجبال مكحول، هذه المثلثات نشأت نتيجة اجتماع فلول داعش التي خسرت معاركها في نينوى والحويجة وغرب الأنبار، وبعد "فرض القانون" على المناطق المتنازع عليها بين بغداد وكوردستان في أكتوبر/تشرين الأول 2017. 

كانت فكرة مثلثات الموت تهدف إلى إعادة ترتيب أوراق داعش وتأهيل أفراده، وأيضاً التمويل الذاتي وصناعة الفوضى على الطرق الرئيسية "طريق بغداد- كركوك، وطريق بيجي- حديثة، وطريق الرمادي- طريبل، وطريق الرمادي- القائم"، والإعداد لقواعد تحكم وسيطرة تنطلق منها مفارز داعش للقيام بعمليات ثأرية على المخاتير والشيوخ وقادة الحشود العشائرية والمناطقية، وإنهاك المرابطات على الطرق الدولية والمتقدمة في عمق الصحراء، وفق الرؤية التي أسس لها البغدادي في خطابه التسجيلي الأخير أغسطس/آب 2018 التي برزت بعض ملامحها خلال عشرات الهجمات الفردية المفارز القادمة من أطرف المدن والقرى المهجورة والتي ركزت على الحشد المناطقي والعشائري.

هناك خمسة أهداف رئيسة تسعى القوات المشتركة العراقية بمساعدة التحالف الدولي لتمكين الاستقرار في البادية الغربية العراقية:
1- عدم السماح لداعش بإقامة معسكرات عسكرية وشرعية ومخازن وملاذات ومراكز للقيادة والسيطرة تسمح له بالانبعاث مجدداً وفق تكتيك "مرحلة التمهيد لأرض التمكين"، وعدم السماح بأن تعود البادية الغربية لتصبح قاعدة أو منطلقاً للتخطيط أو تجنيد أو تمويل أو شن هجمات ضد القرى والمدن المحررة، أو ضد دول جوار غرب العراق.

2- إيجاد حلول لتدريب وتمكين الحشود المناطقية والعشائرية من أجل مسكها للقرى والمدن، وتنظيم عودة النازحين، وإنهاء ملف القرى المهجورة قسراً، والوصول لحلول قانونية عادلة بخصوص عرف الحلاء العشائري لعوائل انتمى أبناؤها لداعش.

3- توفير الظروف التي تسمح بالمصالحة الوطنية وتمكين منظمات المجتمع المدني من تنشيط برامجها الخاصة بمكافحة التطرّف العنيف ونشر قيم التحاور والتعايش والتسامح وترشيد الخطاب الديني المتشدد.

4- إيقاف تهريب السلاح والآثار والنفط ومنع زراعة المخدرات والمتاجرة بها، وتوفير فرص العمل التي تشجع على عودة الحياة والأسواق لتلك المدن والقرى وإعادة إعمار وترميم البنى التحتية وعودة المراكز لإدارة الحكم المحلي والشرطة المحلية وفتح المحاكم النظامية.

اعتبرت بعض فصائل الحشد الشعبي الموالية لإيران عملاً عدائياً يستهدف جهودها وتضحياتها في البادية الغربية ويستهدف بالخصوص إفراغ الحدود من أي وجود للحشد الشعبي الولائي وقطع الطريق البري "طهران- بيروت"، إذ رفضت قيادة التحالف الدولي العمل في أي قرية أو مدينة بجانب الحشد الشعبي حتى بصفة إسناد ثانوي، ومارست ضغوطاً على القيادة المشتركة العراقية لاستبدال قوات الحشد الشعبي بقوات الحشد العشائري أو المناطقي، وأنشأت الولايات المتحدة معسكرات مؤقتة في مناطق مختلفة هناك،
ومن جهة ثانية، حاولت قيادة الحشد الشعبي الانسحاب من البادية الغربية وتقف عند خط طول 43، عدا مناطق سنجار وأم شبابيط وأم اجريص وتل صفوگ والرمانة وعكاشات والفوسفات، بالإضافة إلى مطار تلعفر وبالقرب من قاعدة القيارة ومدينة الصينية جنوب بيجي.

لكن يبدو أن هذا الاقتراح لم يلق قبولاً من قبل التحالف الدولي، كما أربك العلاقة بين العبادي، القائد العام للقوات المسلحة آنذاك، وقيادة الحشد الشعبي.

لكن تحقيق الأهداف الخاصة بالقوات المشتركة العراقية ربما لا يكون بالسهولة نفسها التي تحققت في كركوك والمناطق المتنازع عليها قبل عام، ويعود ذلك إلى أن إمكانية حدوث التفاهمات السياسية والعسكرية في المناطق المتنازع عليها أفضل منها في البادية الغربية، على الرغم من أن المنطقة تعيش التحرير منذ أكثر من عام، والخيارات التي أمام القيادة المشتركة العراقية - إنْ قررت إخراج الحشد الشعبي من مناطق البادية الغربية - ليست مشجعة، خاصة أنّ تجهيزات واستعدادات الحشد العشائري لا تكفي للصمود طويلاً أمام هجمة واسعة لفلول داعش. 

زيادةً على ذلك، تمكنت فلول داعش، خلال السنة الماضية، من بناء شبكة كبيرة من الأنفاق، حتى إنه يمكن القول إن هناك "بيوتات" بكاملها تعيش تحت الأرض، كما أن الطبيعة القاسية للمنطقة، وخبرة أهلها بالتكيف معها، أمران يسمحان لفلول داعش بالصمود طويلاً، إلا إذا تمت محاربتهم بالقوات المناطقية وإحياء منهج الصحوات التي انتصرت على القاعدة 2006-2011، ذلك أنّ العشائر قادرة على تحقيق النصر الذاتي في هذا المجال بشرط الإسناد الحكومي الجاد والمستمر، وما يمكن أن يمثل فرقاً حقيقياً هنا، هو وحدة العشائر في محاربة داعش، وتجنب بعض الأعمال التي تصنف أنها تنتهك القانون وحقوق الإنسان أو الاقتتال الطائفي أو القومي، لم يعد لهما من مبرر منطقي للاستمرار مع تشكيل حكومة جديدة.

أرض الفلول 

النصر العسكري لم يُبق سبيلاً لفلول داعش يمكن أن تستخدمه في المدن الحضرية والقرى الكبيرة المكتظة بالسكان التي كانت تعرف بأرض "التمكين والرباط" عند مقاتلي تنظيم داعش، فأصبحت عناصره مكشوفة والسكان هم عدوهم المباشر، في أرض الفلول "التلال والبوادي والصحاري والوديان والقرى النائية المهجورة"، تمتلك الفلول القدرة على التمويل الذاتي والتنقل عبر مفارز صغيرة والتصعيد المناطقي "مثلثات الموت"، وهذا لا يمنع خطر التصعيد في المُدن.

يعمل الداعشي في أرض الفلول على توسيع دائرة نفوذه في القرى النائية من خلال الهجمات التعرضية والاغتيالات وعمليات الخطف لمختارين القرى وشيوخ العشائر وقادة الحشد العشائري والمناطقي الموالين للحكومة.

القوات المشتركة العراقية مع أنها تعاظمت قدراتها القتالية واللوجستية التقليدية، لكنها لا تزال ضعيفة على وجه التحديد في إيجاد قوات وتقنيات ومعلومات خاصة بمطاردة الفلول، ولأن الحكومة تفتقر لبرامج تمكين الاستقرار قابلة للتنفيذ لتنشيط دور مجتمع مدني قوي يتجاوز الانقسامات العرقية والدينية، ويستطيع التحاور والتسامح والتعايش، ومن ثم تشخص الأفكار والأعمال التكفيرية والمتطرفة والتعاون مع الحكومة لإيقافها أو تعطيلها بالكلية بحسب القانون السائد.

عودة سريعة غير متوقعة لعمليات داعش بالقرب من المدن المحررة وفِي المناطق المتنازع عليها، خريطة هذه العودة في أرض الفلول، من أجل:
1- استخدام تكتيكات "المقاتل الشبح" والعمل على صناعة بيئة موظفة موثوق بها وإن كانت غير مبايعة للتنظيم، وذلك بتوظيف مجموعة من الأنصار العاطلين عن العمل في القرى النائية للدعم اللوجستي، وهذا ما تم تأكيده من قبل مديرية استخبارات محافظة صلاح الدين، فقد تكرر إلقاء القبض على رجال وشباب لم يؤشر عليهم أمنياً أو قضائياً من قبل الانتماء لداعش، يعملون بمقابل مالي على نقل المواد الغذائية والطبية والصحية والوقود والدراجات النارية والهوائية إلى مضافات داعش في مطيبيجة وجبال مكحول وحوض العظيم وحوض الثرثار. 
 
2- مفارز انغماسية متعددة مهمتها إثارة الفوضى القومية والدينية في تلك المدن لتكون لاعباً أساسياً ضمن أهداف الفوضى الداخلية والحرب الأهلية من خلال التخادم مع أحزاب فاسدة وقوى معارضة عنيفة وقرابات عشائرية، حيث تعتمد العمليات على مفارز من 9-11 عنصراً تم تدريبهم على صناعة الكمائن والعبوات والقنص والمناورة، حيث يمنع استخدام أي شبكة اتصالات للهاتف الجوال خلال تواجدهم في معسكرات ومقرات أرض الفلول، عزلة وسرية وتدريبات قاسية وتبادل أفكار وخبرات وخطب دينية ترفع مستوى الكراهية والحقد.

3- بالاطلاع على أنواع وموديلات الدراجات الهوائية والنارية تأكد أن معظمها تم شراؤها من الأسواق المحلية في ديالى وكركوك وصلاح الدين، واستخدمت ضمن تكتيكات حرب العصابات، فهي سريعة الحركة وغالبها من نوع "القفاز" واقتصادية بالوقود ونوعيتها تتكيف مع التلال والوديان والأرض الوعرة، وبالإمكان أن يحمل السائق معه عدة، مثل الصواريخ المضادة للدروع، والرمانات اليدوية، والعبوات الناسفة لنصب الكمائن، والسلاح الخفيف والمتوسط لمهاجمة مدنيين أو هجمات انتحارية باستخدام الدراجة المفخخة لتدمير الأهداف ولاستنزاف وإرهاق القوات العراقية وإرغامها على الانسحاب.

4- أرض الفلول منها تشكل داعش في 2013 في جنوب غرب نينوى وشمال شرق ديالى وانطلقت لتحتل 32‎%‎ من أرض العراق عام 2014، هي أرض "التمهيد" لأرض "التمكين"، معسكرات ومخازن ومقرات للتحكم والسيطرة، والإغارة على الطرق لأخذ الأتاوات وخطف المسافرين وإنهاك الاقتصاد والاستقرار، هذه المناطق المفتوحة تساعدهم على إقامة معسكرات التدريب لتلك المفارز، تدريبات عسكرية خاصة وأخرى على فنون القتال وحرب الشوارع وتدريبهم على القتل بالذبح والحرق والسيارات المفخخة، وهي مناطق صالحة لزراعة المخدرات وأيضاً إقامة مختبرات لتطوير وتصنيع السموم والمواد الكيميائيّة.

لذا بات من المهم للقوات المشتركة العراقية أن تعتمد أسلوب الصحوات في مطاردة الفلول، وأيضاً استخدام منهج الحرب الهجينة ضمن سياساتها الدفاعية والهجومية من أجل اجتثاث قدرات فلول داعش، والعمل الجاد على تطوير قوات خاصة بمطاردة الفلول، وتوفير الموارد البشرية والتقنية والاقتصادية والمعلوماتية كافة لتلك القوات، والسعي لتفعيل دور المواطن في الإبلاغ عن الحالات المشتبه بها، وتنظيم حروب إعلامية استباقية مهنية قائمة على التجارب الناجحة والحرص على هوية المواطنة والانتماء بشتى الطرق وبتوعية المواطنين للمخاطر القائمة والمستقبلية.

موقع قولي غير مسئول عن المحتوي المعروض، فهو مقدم من موقع اخر (سياسة الخصوصية)
اقرأايضا
العراق يستعين بخبراء إيطاليين لكشف أسباب كارثة نفوق الأسماك ‬‎ 08/11/2018 | 10:00 م

عدم الالتزام من قبل أصحاب المشاريع والفلاحين بتنفيذ توصيات وتعليمات وزارة الزراعة؛ تسببت في نفوق ملايين الأسماك في المحافظات العراقية.

انفجار سيارة مفخخة قرب مطعم غربي الموصل في العراق - CNN Arabic 08/11/2018 | 10:00 م

أفادت وكالة الأنباء العراقية (واع)، الخميس، نقلا عن مركز الإعلام الأمني، بانفجار سيارة مفخخة "كانت مركونة قرب أحد المطاعم غربي الموصل".

استثناء أميركي للعراق لشراء كهرباء إيران أخبار سكاي نيوز عربية 08/11/2018 | 10:00 م

أعلن مسؤولون في واشنطن وبغداد حصول العراق، الذي وقع وسط الأزمة بين حليفيه الرئيسيين إيران والولايات المتحدة على استثناء لمواصلة شراء الطاقة الكهربائية من طهران.

وزير التجارة يؤكد حرص العراق على تطوير العلاقات الاقتصادية مع اليابان 08/11/2018 | 10:00 م

وزير التجارة يؤكد حرص العراق على تطوير العلاقات الاقتصادية مع اليابان أكد وزير التجارة محمد هاشم العاني، اليوم الخميس، حرص العراق على تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية وزيادة حجمها مع اليابان.

بالأرقام.. ديون العراق في موازنة 2019 08/11/2018 | 10:00 م

كشف خبير قانوني، عن حجم الديون المستحقة التي بذمة العراق.

العراق يوقف تدفق نفط كركوك إلى إيران الشرق الأوسط 06/11/2018 | 7:50 ص

جريدة الشرق الأوسط صحيفة عربية دولية تهتم بآخر الأخبار بجميع أنواعها على المستويين العربي والعالمي.



تنظيم داعش عام 2018.. العراق أنموذجاً اخبار العراق كسر الحدود وإعلان "الخلافة"



اشترك ليصلك كل جديد عن اخبار العراق

خيارات

تنظيم داعش عام 2018.. العراق أنموذجاً
المصدر http://www.rudaw.net/arabic/middleeast/iraq/2910201811 http://www.rudaw.net
حذف الاخبار (Request removal)
اذا كنت تملك هذا المحتوي وترغب في حذفه من الموقع اضغط علي الرابط التالي حذف المحتوى
التعليقات علي تنظيم داعش عام 2018.. العراق أنموذجاً

اترك تعليقا


قولي © Copyright 2014, All Rights Reserved Developed by: ScriptStars